محمد متولي الشعراوي

1529

تفسير الشعراوى

وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ( 124 ) ( سورة البقرة ) لقد امتحن الحق إبراهيم بكلمات هي الأوامر والنواهي ، فأتمها إبراهيم عليه السّلام تماما على أقصى ما يكون من الالتزام ، ولم يكن مجرد إتمام يتظاهر بالشكلية ، إنما كان إتماما بالشكل والمضمون معا . والمثال على تمام الأوامر والنواهي بالشكل فقط هو رؤيتنا لمن يتلقى الأمر من اللّه بأن يصلى خمسة فروض ، فيصلى هذه الفروض الخمسة كإجراء شكلى ، لكن هناك إنسانا آخر يصلى هذه الفروض الخمسة بحقها في الكمال مضمونا وشكلا ، إنه يتم الأوامر الإلهية إتماما يرضى عنه اللّه . ولقد أدى إبراهيم عليه السّلام الابتلاءات التي جاءت بالكلمات التكليفية من اللّه على أكمل وجه . ألم يأمر اللّه إبراهيم عليه السّلام على أن يرفع القواعد من البيت ؟ أما كان يكفى إبراهيم عليه السّلام لينفذ الأمر برفع بناء الكعبة إلى أقصى ما تطوله يداه ؟ إنه لو فعل ذلك لكان قد أدى الأمر ، لكن إبراهيم عليه السّلام أراد أن يوفى الأمر بإقامة القواعد من البيت تمام الوفاء ، فبنى الكعبة بما تطوله يداه ، وبما تطوله الحيلة أيضا ، فجاء إبراهيم عليه السّلام بحجر ليقف من فوقه ، ويزيد من طول جدار الكعبة مقدار الحجر ، لقد أراد أن يوفى البناء بطاقته في اليدين وبحيلته الابتكارية أيضا ، فلم يكن معروفا في ذلك الزمان « السقالات » وغير ذلك من الأدوات التي تساعد الإنسان على الارتفاع عن الأرض إلى أقصى ما يستطيع . ولو أن إبراهيم عليه السّلام قد رفع القواعد من البناء على مقدار ما تطوله يداه ؛ لكان قد أدى تكليف اللّه ، لكنه أراد الأداء بإمكاناته الذاتية الواقعية ، وأضاف إلى ذلك حيلة من ابتكاره ، لذلك جاء بالحجر الذي يقف عليه ليزيد من جدار الكعبة ، وهذا ما نعرفه عندما نزور البيت الحرام ب « مقام إبراهيم » فلما أتم إبراهيم الكلمات